مجد الدين ابن الأثير

429

المختار من مناقب الأخيار

لأنظرنّ ، أشيء علّمه أم ألهمه اللّه إلهاما ؟ فقلت : على أيّ نعمة من نعمه تحمده ؟ أم على أيّ فضيلة تشكره ؟ فو اللّه ما أرى شيئا من البلاء إلّا وهو بك . فقال : ألا ترى ما قد صنع بي ، فو اللّه لو أرسل السماء عليّ نارا فأحرقتني ، وأمر الجبال فدكدكتني ، وأمر البحار فغرّقتني ما ازددت له إلّا حمدا وشكرا ، وإنّ لي إليك حاجة ؛ بنيّة لي كانت تخدمني وتعاهدني عند إفطاري فانظر هل تحسّ بها ؟ وقال عبد الوهاب : بنيّ كان لي . فقلت : واللّه إنّي لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربة إلى اللّه عزّ وجلّ . فخرجت أطلبها بين تلك الرّمال ، فإذا السّبع قد أكلها ، فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون من أن أتى هذا العبد الصالح فأخبره بموت ابنته ، فأتيته ، فقلت له : أنت أعظم منزلة عند اللّه أم أيّوب عليه السلام ابتلاه اللّه في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار غرضا للناس ؟ فقال : لا ، بل أيّوب . قلت : فإنّ ابنتك التي أمرتني بطلبها أصبتها وإذا السّبع قد أكلها . فقال : الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدّنيا وفي قلبي منها شيء . ثم شهق شهقة فمات . فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، من يعينني على غسله ودفنه ؟ فإذا أنا بركب يريدون الرّباط ، فأشرت إليهم ، فأقبلوا إليّ ، فأخبرتهم بالذي كان من أمره ، فغسّلناه وكفّنّاه ، ودفنّاه في مظلّته تلك ، ومضى القوم ، وبتّ ليلتي في مظلّته آنسا به ، حتى إذا مضى من الليل قدر ثلثه ، إذا أنا به في روضة خضراء ، وإذا عليه حلّتان خضراوتان ، وهو نائم يتلو القرآن . فقلت : ألست صاحبي بالأمس ؟ قال : بلى . فقلت : فما صيّرك إلى ما أرى ؟ قال : وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلّا بالصّبر على البلاء ، والشّكر عند الرّخاء « 1 » . رحمة اللّه عليه . * * *

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 326 ، 327 .